محمد سعيد رمضان البوطي
235
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
فمن هنا أعطى المشركين كل ما سألوه من الشروط ، وتساهل معهم في أمور لم يجد أحد من الصحابة ما يسوّغ التساهل فيها ، ولقد رأيت كيف استبدّ الضيق والقلق بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، حتى إنه قال عن نفسه فيما بعد - فيما رواه أحمد وغيره - : ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ ، ولقد رأيت كيف ساد الوجوم القوم حينما أمرهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بالحلق والنحر ، ليعودوا إلى المدينة ، رغم أنه كرر عليهم الأمر ثلاث مرات ، لقد كان السّر في ذلك أن الصحابة رضي اللّه عنهم إنما كانوا يتأملون في تصرفات النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وهم يقفون على أرض من البشرية العادية ، فلا يتبصرونها إلا بمقدار ولا يفهمون منها إلا ما تفهمه عقولهم البشرية القائمة على الخبرات المحسوسة ، على حين كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلم واقفا من تصرفاته هذه فوق مستوى البشرية وخبراتها وأسبابها ، كانت النّبوة المطلقة هي التي توجهه وتلهمه وتوحي إليه ، وكان تنفيذ الأمر الإلهي هو وحده الماثل أمام عينيه . يتضح لك هذا من جوابه لعمر بن الخطاب حينما أقبل إليه سائلا ومتعجبا ، بل وربما مستنكرا . فقد قال له : إني رسول اللّه ولست أعصيه وهو ناصري . ويتضح لك هذا أيضا من وصية النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لعثمان حينما أرسله إلى مكة ليكلم قريشا فيما جاء له النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فقد أمره أيضا أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح ويخبرهم أن اللّه عزّ وجلّ مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان . فلا غرو أن يدهش المسلمون لموقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي تمحض عن المفاهيم البشرية ومقاييسها في تلك الآونة . ولكن سرعان ما انتهت الدهشة وزال الغم واتضح المبهم ، حينما تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عليهم سورة الفتح التي تنزلت عليه عقب الفراغ من أمر الصلح . وتجلى للصحابة رضي اللّه عنهم أن احتمالهم لتلك الشروط كان عين النصر لهم ، وأن المشركين ذلّوا من حيث تأملوا العزّ ، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والغلبة . وظهر من وراء ذلك كله النصر العظيم لرسوله والمؤمنين دون أن يكون في ذلك أي اقتراح للعقول والأفكار . فهل في أدلة العقيدة دليل على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أبلغ من هذا الدليل وأظهر ؟ . . ولقد تضايق المسلمون بادئ الأمر من موافقة النّبي صلّى اللّه عليه وسلم على الشرط الذي أملاه سهيل بن عمرو : « من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم ، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردّ عليه » . وازداد ضيقهم لما أقبل أبو جندل ( ابن سهيل بن عمرو ) فارّا من المشركين يرسف في الحديد ، فقام إليه أبوه آخذا بتلابيبه وهو يقول : « يا محمد ، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا ، قال صدقت ، فجعل ينتره ويجرّه ليردّه إلى قريش ، وأبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أأردّ إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : يا أبا جندل ، اصبر